القاضي عبد الجبار الهمذاني

14

تثبيت دلائل النبوة

لا يأتي تلك الأمم ويستقبلها بتلك المكاره التي فصلنا وحاله في الوحدة ما ذكرنا ثم يقول : لا تقتلونني مع حرصهم على قتله ، ويقول : ستصيرون أنصاري مع شدة ما دعوتكم إليه وهو غير واثق بما قال ، ولا ساكن إلى ما أخبر ، ثم لا يرضى أو يجعل ذلك كتابا يقرأ ، وقرآنا يتلى ، ويجعله في يد عدوه فيقول : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » « 1 » . يريد بالآفاق : ظهور الاسلام عليها ، وبلوغ دعوته إليها ، لأنه قد كان وعد بذلك وهو بمكة ، وحين ادّعى النبوة ، فكانوا يقولون : أيطمع محمد أن يظهر على الآفاق ؟ لا ، ولا على مكة ، ولا على دار من دور مكة ؛ « وفي أنفسهم » يريد : في اسلام من يسلم منهم بعد الردّ والتكذيب / ومن يقيم على تكذيبه ويموت على شركه على ما لعلّه ان يرد تفصيله عليك . وفي هذا المعنى قوله عز وجل : « خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ ، سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ » « 2 » لأنه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا ذكر ظهور دينه ، وغلبة أصحابه ، وقتلهم لأعدائه ، استبعدوا هذا بل أحالوه ، وقطعوا الشهادة بأن هذا لا يكون أبدا ، فيقول في جواب ذلك : « خلق الانسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون » . وفي هذا المعنى قوله عز وجل : « فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ » « 3 » يعني هؤلاء : مثل أبي جهل ، وأبي لهب ،

--> ( 1 ) فصلت 53 ( 2 ) الأنبياء 37 ( 3 ) الانعام 89